عبد الملك الجويني
224
الشامل في أصول الدين
على أصولهم . فقد أثبتوا قسما بين الصفة والموصوف . ومما نعارضهم به أن نقول : قد أثبتم بين القديم والمحدث رتبة خارجة من القسمين ، فكيف تستبعدون قائما بالنفس خارجا عن صفة التحيز ولم تستبعدوا شيئا خارجا عن وصف المحدث والقديم ؟ ثم نقول : إن كان مرجعكم إلى الشاهد ، فكل ما لا يقوم بنفسه شاهدا عرض ، كما أن الذي يقوم بنفسه متحيز . فإن لزم طرد التحيز في القائم بالنفس ، لزم طرد وصف العرض فيما لا يقوم بنفسه ، حتى يجب من ذلك الحكم بكون علم اللّه عرضا من حيث كان غير قائم بنفسه . وقد ناقشهم بعض أئمتنا في إطلاق القيام بالنفس وقال : الجوهر ليس بقائم بنفسه ، وإنما القائم بالنفس هو اللّه تعالى . وقد قال شيخنا أبو الحسن في بعض مناظراته مع البغداديين : لا حقيقة للقائم بالنفس شاهدا وغائبا . قال : وذلك رد على أسقف من أساقفة النصارى . واستدل على ذلك بأن هذه اللفظة لم يرد بها شرع ، وهي غير سديدة في موجب الإطلاق ، إلا أن يتجوز بها توسعا ، وهي موهمة قياما . ولا معنى لمناقشتهم في العبارات ما دمنا نجد سبيلا إلى التعرض للمعاني . ومما تمسك به جملة الكرامية أن قالوا : لو أخبر مخبر عن رؤية فاعل ليس بجسم ، كان مستنكرا على الوجه الذي نستنكر قول القائل : رأيت السواد والبياض مجتمعين في المحل الواحد . وهذا الذي قالوه خلف من القول لا محصول له ، ويتبين الغرض فيه بتقسيم ، وذلك أنا نقول : إن ادعيتم جريان المتنازع فيه واجتماع الضدين مجرى واحدا في الاستحالة ، فإنكم منازعون فيه . وإن ادعيتم الجمع بينهما في محض الاستنكار فهو مسلم ولا مستروح . فإن خوارق العادات يستنكر وقوعها ، وإن كانت من الجائزات المقدورات . ولو أخبر مخبر عن غيض البحار ، وتقلع الجبال إلى غير ذلك من خوارق العادات ، لا يستنكر قوله . ثم لم يتضمن ذلك إخراج ذلك من الجائزات . ومما يوضح ذلك أن الكرامية والمجسمة ، وإن وصفوا القديم بكونه جسما ، تعالى اللّه عن قولهم ، لم يصفوه بكونه صورة على ما ذهب إليه الغلاة من المشبهة . ثم لو قال قائل : رأيت فعالا ليس بصورة ولا جوارح ، كان ذلك مستنكرا في العادة ، وإن كان القديم عندهم غير متصور ، ولا متصف بالجوارح . فبطل ما قالوه من كل وجه .